الاقتصاد العالمي: راجع Bloomberg أو Reuters أو Financial Times.

يشهد الاقتصاد العالمي في الآونة الأخيرة مرحلة من التباطؤ الواضح في وتيرة النمو، وسط تصاعد المخاۏف من دخول عدد من الاقتصادات الكبرى في ركود محتمل.

 وتتقاطع تقارير مؤسسات اقتصادية مرموقة مثل Bloomberg وReuters وFinancial Times في الإشارة إلى عوامل متشابكة تضغط على الأسواق العالمية، من أبرزها التضخم المتصاعد، وتشديد السياسات النقدية، واضطرابات سلاسل التوريد، إلى جانب التوترات الجيوسياسية بين القوى الاقتصادية الكبرى.

سياسات نقدية متشددة لمواجهة التضخم

في محاولة لكبح جماح التضخم الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة في بعض الدول، تواصل البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، رفع أسعار الفائدة بوتيرة متسارعة.

 هذه السياسات، وإن كانت ضرورية من منظور مكافحة التضخم، إلا أنها تؤثر سلباً على معدلات النمو والاستثمار، وتزيد من أعباء الاقتراض على الحكومات والشركات، خاصة في الدول النامية.

وتشير بيانات حديثة إلى أن الزيادات المتكررة في أسعار الفائدة قد بدأت بالفعل في التأثير على الطلب الاستهلاكي والاستثماري في عدد من الاقتصادات الكبرى، ما يعزز المخاۏف من انكماش اقتصادي خلال الأشهر المقبلة.

ضغوط متزايدة على الأسواق الناشئة

وفي تقرير حديث نشرته وكالة Bloomberg، أُشير إلى أن الأسواق الناشئة تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي، وانخفاض تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، وهو ما يضعف قدرة هذه الدول على تمويل عجوزاتها المالية وتحفيز النمو. ويواجه عدد من هذه الأسواق تحديات مركبة تتمثل في ضعف العملة المحلية، وتراجع الاحتياطيات النقدية، وارتفاع تكلفة الواردات الأساسية مثل الطاقة والغذاء.

سلاسل التوريد ما زالت تحت الضغط

أما صحيفة Financial Times فقد سلطت الضوء على استمرار اضطرابات سلاسل التوريد العالمية، والتي بدأت مع جائحة كورونا وتفاقمت مع تداعيات الحړب في أوكرانيا. 

ولا تزال الشركات العالمية تعاني من تأخر في تسليم البضائع، وارتفاع تكاليف النقل، ونقص في بعض المواد الخام، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانعكاس ذلك على الأسعار النهائية للمستهلكين.

وتُعد هذه الاضطرابات عاملاً رئيسياً في استمرار الضغوط التضخمية، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا والصناعة والسيارات.

التوترات بين الصين والولايات المتحدة تعيد تشكيل خريطة الاستثمار

وفي سياق آخر، تؤكد تقارير من Financial Times وBloomberg أن التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، حيث تتجه الشركات العالمية لإعادة توزيع استثماراتها بعيداً عن الصين، تحسباً لأي تصعيد إضافي في الحړب التجارية أو فرض عقوبات جديدة.

هذا التحول يعيد رسم خريطة سلاسل الإمداد العالمية، ويُسرع من وتيرة ما يُعرف بـ إزالة الاعتمادأو decoupling بين الاقتصادين الأكبر في العالم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغييرات استراتيجية في مجالات مثل تصنيع أشباه الموصلات والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة.

أسعار الطاقة المرتفعة تزيد الضغوط التضخمية

تشكل أسعار الطاقة المرتفعة عاملاً أساسياً في تفاقم أزمة التضخم العالمية. فمع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، وتقلب الإمدادات من روسيا، لا تزال أسعار النفط والغاز مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة. 

ويؤثر ذلك بشكل مباشر على تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة، لا سيما في الدول الصناعية الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري.

توقعات بتباطؤ النمو العالمي

وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقاريرها الأخيرة تباطؤاً في النمو العالمي خلال النصف الثاني من العام، مشيرة إلى أن السياسات النقدية المشددة وتراجع الاستهلاك وارتفاع تكلفة المعيشة كلها عوامل تؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي.

وتحذر المنظمة من أن الاقتصادات النامية ستكون الأكثر تأثراً، في ظل محدودية قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية، ونقص الدعم المالي الكافي لتعزيز النمو الداخلي.

ارتفاع الديون السيادية ېهدد استقرار الدول النامية

من جانبها، حذرت وكالة Reuters من ارتفاع الديون السيادية في عدد من الدول النامية، حيث تضاعفت أعباء خدمة الدين بسبب ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتراجع الإيرادات الحكومية نتيجة تباطؤ النمو.

وتواجه بعض الدول مخاطر حقيقية تتعلق بالعجز عن سداد الديون أو إعادة جدولتها، وهو ما قد يؤدي إلى أزمات مالية شبيهة بتلك التي شهدها العالم في مطلع الألفية في عدد من دول أميركا اللاتينية وآسيا.

العملات الرقمية تدخل على خط الاقتصاد العالمي

وفي ظل هذه التحولات، بدأت العملات الرقمية تلعب دوراً متزايداً في المشهد المالي العالمي، مع توجه بعض الدول والمؤسسات إلى تبني نماذج مالية جديدة تستند إلى تقنيات البلوكشين والعملات المشفرة.

 ورغم المخاطر المرتبطة بالتقلبات الشديدة في أسعار هذه العملات، فإن البعض يرى فيها وسيلة للتحوط من التضخم، أو بدائل رقمية للنظم النقدية التقليدية.

وتسعى بعض البنوك المركزية إلى إطلاق نسخ رقمية من عملاتها الرسمية، فيما يعرف بالعملات الرقمية للبنك المركزي (CBDCs)، كجزء من استراتيجياتها لمواكبة التحولات التكنولوجية.

خلاصة المشهد

في المجمل، تبدو التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي متعددة الأبعاد، وتمثل مزيجاً من العوامل الهيكلية والطارئة. وبينما تحاول الدول الكبرى احتواء التضخم دون دفع اقتصاداتها نحو الركود، تقف الدول النامية في مواجهة ضغوط تمويلية وتجارية شديدة. 

ومن المرجح أن تستمر حالة عدم اليقين في السيطرة على الأسواق، ما لم تحدث تطورات إيجابية على صعيد العلاقات الدولية، أو تنجح السياسات الاقتصادية في إعادة التوازن إلى الاقتصاد العالمي.