نواف سلام: لبنان يطلق مسارًا جديدًا نحو الإصلاح واستعادة الثقة العربية والدولية

نواف سلام: لبنان يطلق مسارًا جديدًا نحو الإصلاح واستعادة الثقة العربية والدولية

في خطوة وصفها كثيرون بأنها فرصة تاريخية نادرة، تم تكليف القاضي والدبلوماسي اللبناني نواف سلام بتشكيل الحكومة اللبنانية. وهو قرار يحمل في طيّاته أكثر من مجرد تعيين سياسي، بل يشير إلى تحوّل محتمل في المسار السياسي للبلاد، بعد سنوات من الشلل، والفساد، وانعدام الثقة داخليًا وخارجيًا.

من هو نواف سلام؟

نواف سلام ليس شخصية تقليدية في المشهد السياسي اللبناني. فهو قاضٍ في محكمة العدل الدولية، ودبلوماسي مخضرم، وسابقًا كان مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة. يتمتع بسمعة دولية نظيفة، وخبرة في القانون الدولي، وقراءة عميقة للتوازنات المحلية المعقدة. لكن الأهم: أنه ليس جزءًا من الطبقة السياسية التقليدية التي يُحمّلها اللبنانيون مسؤولية الاڼهيار الاقتصادي والمالي الذي تعانيه البلاد.

لماذا هذا التعيين مهم؟

لبنان يمر بأسوأ أزماته الاقتصادية منذ الحړب الأهلية. الليرة فقدت أكثر من 90٪ من قيمتها، البنوك تجمّد أموال المودعين، والبطالة والفقر في تصاعد مستمر. في خضم هذه الکاړثة، يعاني اللبناني من فقدان كامل للثقة في السلطة، وفتور متزايد من قبل الدول العربية والدولية التي توقفت عن تقديم الدعم، بانتظار "إشارات جدية" على الإصلاح.

تكليف نواف سلام يعطي هذه الإشارة، على الأقل رمزيًا. فهو شخصية غير غارقة في الزبائنية والمحاصصة، ولديه رؤية حديثة للحكم والدولة.

الإصلاح... هل هو ممكن؟

المهمة أمام سلام لن تكون سهلة. فلبنان محكوم بمنظومة طائفية معقدة، وكل قرار يحتاج إلى توافقات داخلية هشة، غالبًا ما تُبنى على المحاصصة وليس الكفاءة. لكن نواف سلام، إن حصل على دعم داخلي كافٍ ودولي جاد، قد يكون نقطة تحوّل في كسر هذا النمط.

من أبرز الملفات التي تنتظره:

البدء بإصلاحات اقتصادية عاجلة، خصوصًا في قطاع المصارف والطاقة.

استئناف المحادثات مع صندوق النقد الدولي بشفافية وشروط تحفظ العدالة الاجتماعية.

تعزيز استقلالية القضاء ومكافحة الفساد من خلال آليات جدّية لا شكلية.

إعادة بناء الثقة مع الدول العربية، خاصة الخليج، عبر خطوات ملموسة تعكس التزام لبنان بمصالحه القومية والعربية.

ماذا تريد الدول العربية والدولية؟

الدول العربية والغربية أوضحت مرارًا أن دعم لبنان مرهون بالإصلاح الحقيقي، لا المجاملات السياسية. السعودية، على سبيل المثال، انسحبت من دعمها التقليدي للبنان بسبب تغلغل الفساد وهيمنة حزب الله. كذلك فرنسا، رغم مساعيها، أبدت تململاً من عدم تنفيذ التعهدات.

تكليف نواف سلام قد يفتح الباب مجددًا لهذه الدول للعودة، بشرط أن ينجح في تشكيل حكومة مصغّرة من اختصاصيين مستقلين، لا نسخة جديدة من الحكومات السابقة.

العقبات المتوقعة

لا يخفى على أحد أن هناك قوى سياسية متجذّرة لن تقف مكتوفة الأيدي. بعض الأحزاب قد تعرقل، تماطل، أو تفرض شروطًا تجهض المشروع من أساسه. كما أن السلاح غير الشرعي والتدخلات الإقليمية ما زالت حاضرة بقوة.

لكن الرهان هنا هو على وعي الشارع، وضغط المجتمع الدولي، واستثمار اللحظة النادرة التي يجتمع فيها الداخل والخارج على الرغبة بالتغيير.

خاتمة: فرصة... لا يجب تفويتها

تكليف نواف سلام ليس عصا سحرية. لكنه قد يكون البداية الجادة لمسار إصلاحي يعيد للبنان بعضًا من بريقه، ويستعيد الثقة التي فُقدت عربيًا ودوليًا. فهل تنجح هذه التجربة؟ هل يتجاوز لبنان الانقسامات البنيوية ويخوض مغامرة التحديث؟

الكرة الآن في ملعب النخبة السياسية... فإما أن تلتقط الفرصة، أو تضيعها كما ضيّعت فرصًا كثيرة من قبل.