مجلس النواب المصري يوافق على تعديل قانون الثروة المعدنية

في إطار المساعي التشريعية التي يبذلها مجلس النواب المصري لتعزيز المناخ الاستثماري ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، شهدت الجلسات البرلمانية الأخيرة نقاشات مستفيضة حول حزمة التعديلات المقترحة على قانون الثروة المعدنية، والتي جاءت بعد سلسلة من الدراسات الفنية المكثفة وحوارات موسعة مع جميع الأطراف المعنية. تمثل هذه التعديلات محاولة جادة لإعادة صياغة الإطار القانوني المنظم لقطاع التعدين، بما يتوافق مع الرؤية الاستراتيجية للدولة لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، مع الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في هذه الثروات الوطنية غير المتجددة.

ارتكزت المداولات النيابية على ضرورة إيجاد توازن دقيق بين تشجيع الاستثمارات الكبرى في مجال التعدين، وبين ضمان حقوق الدولة المصرية في عوائد هذه الثروات. فقد شملت التعديلات إعادة هيكلة لنظام منح التراخيص التعدينية، حيث تم إدخال آليات أكثر شفافية تعتمد على نظام المزادات العلنية، مع وضع معايير دقيقة لتقييم كفاءة الشركات المتقدمة، بما يضمن اختيار المستثمرين الأكثر جدارة. كما تم التوسع في تعريف الثروات المعدنية ليشمل أنواعاً جديدة من الخامات التي لم تكن مدرجة في القانون القديم، وذلك في ضوء التطورات التكنولوجية الحديثة التي جعلت استغلال بعض هذه الخامات مجدياً اقتصادياً.

أثارت المواد المتعلقة بالرسوم والضرائب التعدينية جدلاً واسعاً بين الأعضاء، حيث تم التوصل إلى صيغة توافقية تفرض رسوماً متدرجة حسب حجم الإنتاج ونوع المعدن، مع مراعاة الأسعار العالمية للتقلبات في أسواق الخامات. كما تم إقرار مبدأ المراجعة الدورية لهذه الرسوم كل ثلاث سنوات، بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية العالمية. وفي إطار تعظيم العائد للخزانة العامة، تم إضافة بند يلزم الشركات العاملة بتقديم كشف دوري بالاحتياطيات المستخرجة، مع فرض غرامات كبيرة على أي تلاعب في البيانات المقدمة.

من النقاط الجوهرية التي حظيت باهتمام بالغ خلال المناقشات، تلك المتعلقة بالبعد البيئي لعمليات التعدين. فقد اشترطت التعديلات الجديدة تقديم دراسة تقييم تأثير بيئي شاملة لكل مشروع، مع إلزام الشركات بتخصيص نسبة من استثماراتها لتنفيذ خطة إدارة بيئية متكاملة. كما تم النص صراحة على ضرورة إعادة تأهيل المناطق التي تنتهي فيها أعمال التعدين، مع إنشاء صندوق خاص لضمان توفير الاعتمادات المالية اللازمة لهذه العملية. وأكدت اللجنة المشرفة على الصياغة أن هذه الضوابط تأتي في إطار التزام مصر بالاتفاقيات الدولية لحماية البيئة، مع الحفاظ على الصحة العامة للمواطنين في المناطق المجاورة للمناجم.

تناولت التعديلات أيضاً تعزيز دور البحث العلمي في قطاع التعدين، حيث تم تخصيص نسبة من عوائد المشروعات التعدينية لدعم مراكز الأبحاث الجيولوجية، وتشجيع التعاون بين الجامعات والشركات العاملة في المجال لتنمية الكوادر الوطنية. كما نصت على إلزام المستثمرين بنقل التقنيات الحديثة وتدريب العمالة المحلية، في محاولة لبناء قاعدة صناعية محلية متكاملة في مجال التعدين. وقد لاقت هذه المواد ترحيباً واسعاً من الخبراء الاقتصاديين الذين رأوا فيها خطوة نحو تحقيق القيمة المضافة الحقيقية من الثروات المعدنية، بدلاً من الاكتفاء بالتصدير كمادة خام.

فيما يخص مكافحة التعدين غير المشروع، شددت التعديلات على تشكيل لجان تفتيشية مشتركة من عدة جهات حكومية، مع منحها صلاحيات أوسع في ضبط المخالفات. كما تم رفع قيمة الغرامات المفروضة على عمليات التعدين العشوائي، مع إدراج عقوبات جنائية في حال تكرار المخالفات. وأضيف بند جديد يسمح بمصادرة المعدات المستخدمة في هذه العمليات غير القانونية، بغض النظر عن ملكيتها. وقد أوضح ممثلو الجهات الرقابية أن هذه الإجراءات تأتي استجابة للانتشار الواسع لأنشطة التعدين غير المرخص في عدة مناطق، والتي تتسبب في خسائر فادحة للاقتصاد الوطني.

على صعيد حماية حقوق العاملين في القطاع، أدرجت التعديلات فصلاً كاملاً حول شروط السلامة المهنية في مواقع التعدين، مع تحديد المسؤوليات القانونية لمالكي المشاريع في حال وقوع إصابات عمل. كما نصت على معايير إسكانية وصحية للعاملين في المناطق النائية، مع ضمان حقهم في التنقل الدوري إلى مناطق سكنهم الأصلية. وقد أشادت النقابات العمالية بهذه الخطوة، معربة عن أملها في أن تسهم في تحسين ظروف العاملين في هذا القطاع الخطېر.

أخيراً، تضمنت التعديلات أحكاماً انتقالية دقيقة تنظم العلاقة بين الدولة والشركات الحاصلة على تراخيص قديمة، مع تحديد آليات لتعديل هذه العقود بما يتوافق مع القانون الجديد. كما خصصت مادة للفصل في المنازعات التعدينية، تنص على تشكيل لجان تحكيم متخصصة تضم خبراء قانونيين وفنيين، في محاولة لتسريع فض النزاعات وتجنب طول التقاضي.

تمثل هذه التعديلات التشريعية علامة فارقة في مسيرة تطوير قطاع التعدين المصري، حيث تجمع بين تشجيع الاستثمارات الكبرى وحماية المصلحة العامة. ويتوقع المراقبون أن تفتح هذه التغييرات القانونية الباب أمام طفرة حقيقية في استغلال الثروات المعدنية المصرية، خاصة مع الاكتشافات الحديثة للعديد من الخامات الاستراتيجية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في كفاءة التنفيذ على الأرض، ومدى قدرة الأجهزة الحكومية على تطبيق هذه اللوائح بدقة، بعيداً عن البيروقراطية التي ظلت لعقود عائقاً أمام تنمية هذا القطاع الحيوي.