صدمت المئة يوم الأولى من ولاية ترامب الثانية الولايات المتحدة والعالم

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في بداية عام 2025، دخلت الولايات المتحدة والعالم مرحلة جديدة مٹيرة للجدل. وبينما راهن مؤيدوه على "تصحيح المسار" الذي شهدته البلاد خلال فترة الرئيس جو بايدن، جاءت المئة يوم الأولى من ولاية ترامب الثانية حافلة بالتغييرات الحادة والقرارات المفاجئة، التي صدمت الداخل الأمريكي وأربكت الحلفاء والخصوم في آنٍ واحد.

هذه الفترة القصيرة نسبيًا كانت كافية لإثارة حالة من الانقسام الداخلي والتوتر الدولي، وسط تساؤلات حول الاتجاه الذي ستسلكه أميركا خلال السنوات الأربع المقبلة.

قرارات تنفيذية سريعة تعيد سياسات ترامب القديمة

منذ اليوم الأول لعودته إلى المنصب، شرع ترامب في توقيع سلسلة من الأوامر التنفيذية لإلغاء سياسات سلفه، وإعادة إحياء أولويات ولايته الأولى، ومن أبرزها:

إلغاء عدد من قوانين المناخ التي تبناها بايدن، معلنًا أن الأولوية يجب أن تكون لـ"الاستقلال الطاقي، لا الأجندة البيئية".

إعادة تفعيل سياسات الهجرة الصارمة، بما في ذلك استئناف بناء الجدار الحدودي مع المكسيك.

فرض قيود على برامج اللجوء والتأشيرات، خاصة من دول معينة، ما أعاد الجدل حول "حظر المسلمين" إلى الواجهة.

قرارات ترامب أثارت ردود فعل غاضبة في العديد من الولايات الليبرالية، حيث خرجت مظاهرات في كاليفورنيا ونيويورك، تنديدًا بما وصفوه بـ"العودة إلى الوراء".

انقسام سياسي يتعمّق في الداخل الأمريكي

أعادت المئة يوم الأولى الاستقطاب السياسي الحاد الذي ميّز فترة ترامب الأولى، بل وعمّقته، في ظل برلمان منقسم.

الحزب الجمهوري بقيادة ترامب أصبح أكثر ولاءً له من أي وقت مضى، حيث ساهم في دعم تمرير حزمة قوانين تنفيذية بسرعة غير مسبوقة.

الحزب الديمقراطي من جهته، وجد نفسه في وضع دفاعي، متّهمًا ترامب بـ"الاستبداد السياسي" ومحاولة تقويض المؤسسات الفدرالية.

ووصلت درجة التوتر إلى حد قيام بعض النواب الديمقراطيين بالدعوة إلى إجراءات رقابية مشددة على البيت الأبيض، خصوصًا في ملف الحريات المدنية والهجرة.

العلاقات الخارجية: الصدمة الكبرى للحلفاء

على الصعيد الدولي، بدا أن ترامب يعتزم إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية وفق نهج "أمريكا أولاً" بحذافيره، الأمر الذي صدم حلفاء واشنطن التقليديين. أبرز التحولات شملت:

انسحاب مفاجئ من اتفاقيات دولية، مثل "اتفاق باريس للمناخ" و"إطار التعاون مع الناتو"، ما تسبب بتوترات مع أوروبا.

تقارب مفاجئ مع روسيا، حيث أجرى ترامب مكالمة مطوّلة مع الرئيس بوتين وصفها بأنها "خطوة نحو السلام العالمي"، رغم استمرار الحړب في أوكرانيا.

تصعيد حاد مع الصين، على خلفية التجارة والتجسس الإلكتروني، أعاد المخاۏف من حرب تجارية جديدة.

وصف وزير خارجية ألماني سابق هذه المرحلة بأنها "عودة ترامب تعني انسحاب أمريكا من قيادة النظام الدولي".

الاقتصاد: انتعاش قصير أم فقاعة مؤقتة؟

من الناحية الاقتصادية، أظهرت الأسواق الأميركية انتعاشًا أوليًا بعد وعود ترامب بتخفيضات ضريبية على الشركات وتخفيف القيود التنظيمية. ارتفع مؤشر داو جونز بنسبة 6% خلال الشهر الأول، مدفوعًا بتفاؤل المستثمرين.

لكن خبراء الاقتصاد حذروا من أن هذه المكاسب قد تكون قصيرة الأجل، خصوصًا إذا أدت سياسات ترامب إلى عزل اقتصادي أو نشوب توترات تجارية، كما حدث خلال ولايته الأولى.

الإعلام والحقوق: معركة مستمرة

ترامب لم يغيّر أسلوبه في التعامل مع الإعلام، بل كثّف من هجماته على الصحافة، واصفًا بعض وسائل الإعلام بأنها "أعداء الشعب".

كما لوّح بتقليص التمويل الفيدرالي للمؤسسات الإعلامية المستقلة، ما أثار موجة احتجاج من جماعات حقوق الإنسان، التي عبّرت عن قلقها من القيود المحتملة على حرية التعبير.

ردود الفعل الشعبية: بين التأييد والصدمة

الشارع الأمريكي بدا منقسمًا أكثر من أي وقت مضى:

أنصار ترامب اعتبروا أن "الرئيس عاد ليُنقذ أميركا من التدهور".

معارضوه وصفوا ما يحدث بأنه "هجوم منظم على الديمقراطية".

وفي استطلاع رأي أجري بعد مرور 100 يوم، أبدى نحو 48% من الأمريكيين عدم رضاهم عن أداء ترامب حتى الآن، بينما عبّر 44% عن رضاهم، وهو رقم مرتفع نسبيًا يعكس استمرار القاعدة الشعبية لترامب.

خاتمة: مرحلة غير مستقرة

المئة يوم الأولى من ولاية ترامب الثانية كانت كافية لإعادة تشكيل السياسة الأمريكية محليًا ودوليًا. وعلى الرغم من أن عودة ترامب جاءت بانتخابات ديمقراطية، فإن الطريقة التي بدأ بها فترة حكمه الجديدة تعكس نهجًا تصادميًا يضع البلاد أمام منعطف تاريخي.

الأسئلة الكبرى التي تطرح الآن:

هل سيتمكن ترامب من الصمود وسط العواصف السياسية والقانونية؟

وهل سيكون لهذه الولاية تأثير دائم على شكل الديمقراطية الأميركية ودورها العالمي؟

الجواب سيُكتب في السنوات الثلاث المقبلة.