متحف الفن الحديث والمعاصر الجديد يفتح بومو في تروندهايم

متحف بومو في تروندهايم: إطلالة فريدة على عالم الفن الحديث والمعاصر

في خطوةٍ تعكس التوجهات الثقافية الطموحة للنرويج، افتُتح متحف بومو للفن الحديث والمعاصر في مدينة تروندهايم في أبريل 2025، ليُضاف إلى قائمة الوجهات الفنية الرائدة في دول الشمال. يجسد هذا الصرح الفني رؤيةً جريئةً تدمج بين الإرث المحلي والحداثة العالمية، مع تصميمٍ معماريٍّ مبتكرٍ وبرنامجٍ ثقافيٍّ غنيٍّ يهدف إلى إعادة تعريف دور المتاحف في القرن الحادي والعشرين. فما الذي يُميز "بومو" عن غيره من المتاحف؟ وكيف يساهم في تشكيل حوارٍ فنيٍّ وثقافيٍّ عابرٍ للحدود؟

عمارة متحفية تجسد التناغم بين الطبيعة والتقنية 
صممت المبنى المهندسة النرويجية البارزة إيما فورسبرغ، التي اعتمدت فلسفةً معماريةً تركز على الانسجام بين البيئة المحيطة والابتكار التكنولوجي. يقع المتحف عند التقاء نهر نيديلفا بالتلال المورقة، حيث تُحيط به المناظر الطبيعية من ثلاث جهات، بينما تتميز واجهته الجنوبية بانعكاسات زجاجية متحركة تتفاعل مع تغيرات الضوء على مدار اليوم.  
استُخدمت في البناء مواد محلية صديقة للبيئة، مثل الخشب المعاد تدويره من غابات المنطقة، والصخور البازلتية المستخرجة من محاجر تروندهايم، إلى جانب أنظمة ذكية لتنظيم درجة الحرارة والرطوبة داخل قاعات العرض، مما يضمن الحفاظ على القطع الفنية مع تقليل البصمة الكربونية. يوصف المبنى بأنه نموذجٌ استثنائيٌ للاستدامة في عصر التحديات المناخية.

المجموعة الدائمة: حوارٌ بين الأصالة والحداثة
تضم المجموعة الدائمة للمتحف أكثر من 3,000 عمل فني، تتراوح بين إبداعات رواد الفن الإسكندنافي في القرن العشرين وأعمال معاصرة تعتمد على التكنولوجيا المتطورة.

 من أبرز المعروضات:  
- أصداء القطب: تركيب ضوئي تفاعلي للفنانة لينا هولم، يحاكي ظاهرة الشفق القطبي عبر ألوان متغيرة تستجيب لحركة الزوار ووتيرة تنفسهم.  
- ذاكرة الغابة: منحوتة ضخمة من الخشب والصلب لفريق أرتيفيكتس نورث، تروي قصة العلاقة بين الإنسان الإسكندنافي والغابات عبر العصور، باستخدام تقنيات النحت الرقمي ثلاثي الأبعاد.  


- أرشيف رقمي متكامل بالشراكة مع جامعة أوسلو، يوثق تطور الحركات الفنية في النرويج منذ مطلع القرن العشرين، مع إتاحة الوصول إلى مخطوطات نادرة وتسجيلات صوتية تاريخية عبر شاشات لمسية عالية الدقة.

المعارض المؤقتة: جسور ثقافية نحو العالم 
يسعى المتحف إلى تعزيز الحوار بين الثقافات عبر معارضه المؤقتة التي تستضيف فنانين من مختلف القارات. في المعرض الافتتاحي حدود غير مرئية، الذي يستمر حتى نوفمبر 2025، يُبرز المتحف أعمالًا لفنانين من دول الشمال وأفريقيا، منها:  
- هجرات: سلسلة لوحات تعبيرية للفنان المغربي ياسين العماري، تستكشف تشابه رموز الهجرة والانتماء في الثقافتين الأمازيغية والسامية.  
- اصوات من الجليد: مشروع صوتي للفنلندية ساري كوبونين، يسجل ذوبان الأنهار الجليدية في غرينلاند عبر مجسات حساسة تلتقط اهتزازات الجليد وتحولها إلى نوتات موسيقية.  
- حوار الضباب: معرض مشترك مع متحف طوكيو للفنون، يعرض أعمالًا لفنانين يابانيين ونرويجيين تستلهم تأثير الضباب على الإدراك البصري في الثقافتين.

تجربة الزائر: فن تفاعلي وتعليمي 
يتبنى المتحف مفهوم المتاحف الذكية عبر تقنيات ترفع مستوى تفاعل الزائر مع المحتوى الفني، مثل:  
- الواقع المعزز: بواسطة تطبيق خاص بالهواتف الذكية، يمكن للزوار الحصول على روحات مفصلة للوحات بلغات متعددة، أو تفعيل طبقات رقمية تُظهر التغييرات التي مرت بها القطعة الفنية عبر الزمن.  
- ورش العمل الإبداعية: تُقام أسبوعيًا في مساحة المختبر الإبداعي وتشمل دورات في فن الترميم باستخدام مواد مستدامة، وورشًا لصناعة الفن الرقمي عبر أجهزة الطباعة ثلاثية الأبعاد.  

التحديات وردود الفعل 
رغم الإشادات الدولية، واجه المتحف انتقاداتٍ محليةً، خاصةً من اتحاد الفنانين النرويجيين، الذي أشار إلى أن المتحف يكرس هيمنة الفن العالمي على حساب دعم المواهب المحلية الناشئة. ردت إدارة المتحف بالإعلان عن برنامج أصوات تروندهايم" لدعم 20 فنانًا نرويجيًا شابًا سنويًا، مع تخصيص قاعة دائمة لعرض أعمالهم.  
كما أثارت تكلفة التذاكر – التي تبلغ 25 يورو للبالغين – جدلًا حول إمكانية وصول شرائح مجتمعية واسعة. وعدت الإدارة بطرح خصوماتٍ للطلاب وكبار السن، وتخصيص يوم مجاني شهريًا بدءًا من يناير 2026.

الرؤية المستقبلية: نحو متحف بلا جدران 
تتطلع إدارة المتحف إلى تحويله إلى مركزٍ ثقافيٍ شموليٍ عبر مشاريع طموحة، منها:  
- بنك جينات الألوان: بالشراكة مع علماء الأحياء، يجري تطوير مشروع لحفظ الأصباغ الطبيعية المھددة بالانقراض، المستخرجة من نباتات المنطقة القطبية، لاستخدامها في ترميم الأعمال الفنية التاريخية.  
- المتحف الافتراضي: سيُطلق في 2026 منصةً رقميةً تسمح بشراء الأعمال الفنية كرموز غير قابلة للاستبدال (NFTs)، مع إمكانية عرضها في معارض افتراضية باستخدام نظارات الميتافيرس.  
- مركز الأبحاث الفنية: بالتعاون مع جامعة تروندهايم، سيركز على دراسة تأثير التكنولوجيا الناشئة (مثل الذكاء الاصطناعي) على الإنتاج الفني المعاصر.

الخاتمة: متحفٌ يكتب فصلًا جديدًا في سردية الفن العالمي
لا يكتفي بومو بعرض الأعمال الفنية، بل يطرح أسئلةً جوهريةً عن دور الفن في عصر التغيرات المناخية والتقنية المتسارعة. عبر مزيجٍ مدروسٍ من العمارة المستدامة، والمجموعات الفنية الثرية، والبرامج التفاعلية، ينجح المتحف في خلق مساحةٍ حواريةٍ تجذب عشاق الفن والمهتمين بالابتكار على حدٍ سواء. في عالمٍ تزداد فيه الحدود الثقافية مرونةً، يبرز بومو كشاهدٍ على أن المتاحف لم تعد مجرد حُجراتٍ لعرض الماضي، بل فضاءاتٌ حيةٌ تُعيد تشكيل المستقبل.