طائرة أوروبية تعمل بالهيدروجين ستطير رحلة بدون توقف حول العالم

في عصر تزداد فيه الحاجة إلى حلول نقل صديقة للبيئة، برز مشروع طائرة هيدروجينية أوروبية تستعد لأداء أول رحلة جوية مستمرة حول العالم دون توقف. تقود هذه المبادرة مجموعة من المتخصصين بقيادة المستكشف والطبيب السويسري برتراند بيكارد ضمن إطار مشروع “Climate Impulse”، ويهدف إلى إثبات جدوى استخدام الهيدروجين السائل كوقود نظيف يغني عن الكيروسين التقليدي. يُتوقع أن تمتد الرحلة لنحو تسعة أيام في الجو متصلةً، مروراً بخط استوائي دائري حول الكرة الأرضية، ليكون هذا الإنجاز نقطة تحول بارزة في تاريخ الطيران المستدام.

خلفية المشروع وأهدافه

كان برتراند بيكارد قد سجل اسمه سابقاً كأول من أتم رحلة منطاد غير متوقف حول العالم، ولاحقاً كصاحب أول طائرة شمسية تكمّل دورة كاملة حول الكرة الأرضية. استلهم من تجاربه تلك فكرة تطوير طائرة هيدروجينية قادرة على الطيران لمسافات طويلة دون انبعاثات كربونية. ينطلق المشروع من محاولة خفض أثر قطاع النقل الجوي الذي يمثل نسبة لا يستهان بها من انبعاثات غازات الدفيئة، ويهدف إلى تقديم نموذج عملي يفتح المجال أمام تصنيع طائرات تجارية هيدروجينية في العقود المقبلة.

التصميم التقني للطائرة

تتميز هذه الطائرة بوجود خزانتين رئيسيتين لتخزين الهيدروجين السائل، محتفظتين بدرجة حرارة فائقة الانخفاض تتيح الحفاظ على الوقود في حالته المائية. صُممت الخزانات من مواد عازلة متطورة تقلل من تبخر الهيدروجين أثناء الرحلة، مع نظام تبريد داخلي يحافظ على درجة الحرارة المثلى طوال الوقت. وينتقل الوقود من الخزان إلى خلايا الوقود التي تُحوّله إلى طاقة كهربائية، تُستخدم في تشغيل محركات كهربائية عالية الكفاءة تقود مراوح الدفع الرئيسية للطائرة.

التحديات الفنية واللوجستية

أولى التحديات تكمن في إدارة الحرارة وتحكمها داخل الخزانات، إذ يتطلب الأمر تحقيق توازن بين وزن المواد العازلة وكمية الوقود الفعلى المتوفرة للطيران. كما أن الهيدروجين، بطبيعته الغازي سريع الاشتعال، يستدعي تجهيزات أمنية مشددة تشمل شبكات وأنظمة كشف تسرب دقيقة تحيط بخزانات الوقود. على الصعيد اللوجستي، يستلزم دعم مثل هذه الرحلة توفير محطات تعبئة بالهيدروجين السائل في موانئ جوية مختارة، مع البنية التحتية اللازمة لإنتاج وقود الهيدروجين عبر الكهرباء المتجددة ونقلها وتخزينها في المواقع المحددة مسبقاً.

تخطيط المسار والجدول الزمني

ستعبر الطائرة مساراً استوائياً دائرياً يبدأ من أوروبا الغربية، متجهاً غرباً نحو أمريكا ثم عبور المحيط الهادئ إلى آسيا، ليعود في النهاية إلى نقطة الانطلاق الأوروبية. ويتميز هذا المسار بكونه يحافظ على كفاءة الاستهلاك بفضل التيارات الهوائية الاستوائية الدافئة نسبياً. يُخطط لإجراء رحلات اختبارية خلال العامين المقبلين لقياس أداء الخزانات والمحركات في ظروف جوية متنوعة، قبل الإطلاق الرسمي للرحلة الحولية المقررة في عام 2028، والتي ستستمر نحو تسعة أيام دون هبوط.

آثار الإنجاز على قطاع الطيران

سيمثل نجاح هذه الرحلة دليلاً حياً على إمكانية استبدال وقود الطائرات التقليدي بالهيدروجين، ما يساهم في خفض الانبعاثات الكربونية إلى حدود الصفر. وستحفّز هذه الخطوة شركات تصنيع الطائرات الكبرى على تسريع خططها لتطوير نماذج هيدروجينية تجارية، خاصة مع التزام كثير من الحكومات بتعزيز النقل الأخضر ضمن أهداف الحياد الكربوني. كذلك سيؤدي إنشاء محطات تعبئة الهيدروجين وتوسيع شبكته إلى دعم قطاعات الطاقة المتجددة وتطوير سمات الاقتصاد القائم على الهيدروجين.

تمثل الطائرة الهيدروجينية الأوروبية التي ستطير بلا توقف حول العالم نموذجاً رائداً يربط بين الابتكار وحماية البيئة. من خلال تجاوز التحديات التقنية واللوجستية وبناء بنية تحتية متخصصة، يمكن لهذا المشروع أن يمهّد الطريق لعصر جديد من الطيران المستدام. بفضل التعاون الدولي والالتزام البيئي، لم يعد الانتقال إلى وقود نظيف حلماً بعيد المنال، بل هدفاً قابلاً للتحقيق يضمن لنا وللأجيال القادمة سماءً أنظف وأفقيات أكثر أماناً.