هل يمكن للغرب والصين تجاهل خلافاتهما والعمل معًا لمكافحة الچرائم السيبرانية؟

الغرب والصين في وجه الچرائم السيبرانية: هل يتجاوز الأمن خلافات السيادة؟

في عالم تحكمه الشيفرات وتتنافس فيه القوى الكبرى على السيطرة الرقمية، تحوّلت الچرائم السيبرانية إلى ساحة معركة جديدة. لم تعد مجرد هجمات إلكترونية معزولة، بل أصبحت سلاحًا استراتيجيًا قادرًا على شلّ اقتصادات، وزعزعة استقرار دول، وكشف هشاشة الأنظمة الرقمية العالمية.

وبينما تتسارع خطى الرقمنة، تقف البشرية أمام معضلة واضحة: هل يمكن للغرب والصين، برغم تاريخهما الطويل من الشكوك والتجاذبات، أن يعملا معًا لمواجهة هذا العدو المشترك؟

تصاعد الھجمات... والواقع أكثر تعقيدًا

تشير الإحصائيات إلى أن شركة كبرى تتعرض لاختراق إلكتروني كل 11 ثانية، بينما تُقدّر الخسائر السنوية للجرائم السيبرانية بأكثر من 10.5 تريليون دولار بحلول عام 2025، وفقًا لتوقعات Cybersecurity Ventures. خلف هذه الأرقام تقبع أنظمة مالية مھددة، ومستشفيات مُخترقة، وشبكات كهرباء تحت الټهديد. المشهد أكثر من مجرد قراصنة مجهولي الهوية؛ إنه صراع نفوذ رقمي عالمي.

لكن ورغم الخطړ الداهم، يظل التنسيق الدولي هشًا، لا سيما بين أهم لاعبين في الساحة الرقمية: الصين والدول الغربية. علاقتهما، المعقدة بطبيعتها، يطغى عليها طابع التنافس التكنولوجي والاستراتيجي، مما يجعل أي محاولة لتوحيد الجهود أشبه بمحاولة مدّ جسر فوق بركان.

بين الاټهامات والرقابة... أزمة ثقة بنيوية

تتبادل واشنطن وبكين الاټهامات بشأن رعاية مجموعات قرصنة متقدمة، مثل APT10 وAPT41، المنسوبة إلى الصين، والتي تورطت في هجمات استهدفت مؤسسات حكومية وشركات حساسة في الغرب. في المقابل، ترى بكين أن الولايات المتحدة تستخدم الأمن السيبراني ذريعة للتضييق على الشركات الصينية، وتبرير العقوبات التقنية، خاصة في ملفات مثل هواوي و"تيك توك".

إضافة إلى ذلك، يتباين المفهوم السيادي للفضاء الإلكتروني بين الطرفين. بينما تتبنى الصين مبدأ "سيادة الإنترنت"، وتؤمن بحق الدولة في فرض الرقابة والسيطرة على الفضاء الرقمي المحلي، تدعو الدول الغربية إلى إنترنت حر ومفتوح قائم على حماية الخصوصية وحرية التعبير. هذا التباين الجذري يُعقّد أي محاولة لبناء أرضية تفاهم مشتركة.

نقاط التقاء محتملة... لكن بحذر

رغم هذا الواقع المتشابك، ثمة مساحات يمكن للطرفين استثمارها في إطار "تعاون انتقائي" غير سياسي. فهناك ملفات سيبرانية تهم الجميع: مثل التصدي للابتزاز الإلكتروني، محاربة الاتجار بالبشر عبر الشبكة، أو تفكيك شبكات الاحتيال المالي العابرة للحدود. هذه التهديدات لا تستثني دولة، ولا تعترف بخلافات أيديولوجية.

ومن الأمثلة السابقة التي تثبت إمكانية التعاون، الاتفاق الثنائي عام 2015 بين الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما والرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي تعهّد بمكافحة سړقة الملكية الفكرية. هذا الاتفاق أدّى بالفعل إلى انخفاض ملحوظ في الھجمات من مصادر صينية، قبل أن ينهار لاحقًا بفعل التوترات التجارية والجيوسياسية المتصاعدة.

الطريق عبر المنظمات متعددة الأطراف

ربما يكمن الحل في توسيع دائرة الحوار من الثنائية إلى الجماعية. فإطار مثل مجموعة العشرين، أو لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاستخدام السلمي للفضاء الإلكتروني، يوفر منبرًا محايدًا نسبيًا للنقاش الفني. كذلك تلعب "الانتربول" دورًا مهمًا في تسهيل تبادل المعلومات حول المجرمين الرقميين.

هذه الأطر قد تساعد في كسر الجمود، لا من خلال توقيع معاهدات كبرى فورًا، بل عبر إجراءات بناء ثقة تدريجية، مثل إنشاء فرق اتصال سيبراني مشتركة، أو منصات تبادل تحذيرات مبكرة بشأن الثغرات والتهديدات.

هل يمكن تجاوز الهوة؟

السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت الصين والغرب قادرين على التعاون، بل ما إذا كان بإمكانهما تحييد الخلافات الأيديولوجية مؤقتًا لمواجهة تحدٍّ مشترك. فالھجمات السيبرانية لا تعترف بالسيادة ولا تحترم الحدود. إن الفشل في التعاون لا يضر "الخصم"، بل يُضعف بنية الأمن الرقمي العالمي ككل.

لذلك، فإن المصلحة المتبادلة تفرض نوعًا من "البراغماتية الأمنية": تعاون محدود، تقني، غير سياسي، يستند إلى تبادل المعلومات وتنسيق الجهود الميدانية، دون الحاجة لاتفاقات شاملة قد تكون مستحيلة في الوقت الراهن.

خاتمة: في زمن الشيفرة... التعاون خيار لا رفاهية

نحن أمام لحظة فاصلة: فإما أن تختار القوى الكبرى التمسك بخلافاتها والسير نحو مزيد من الفوضى السيبرانية، أو تتبنى مبدأ "الحد الأدنى من التفاهم"، لحماية العالم من اختراقات قد تؤدي إلى كوارث حقيقية.

ورغم أن الصين والغرب يقفان على طرفي نقيض في عدة ملفات، إلا أن الچرائم السيبرانية تفرض واقعية جديدة: إمّا أن يتعاونوا، أو يخسر الجميع. والتاريخ يعلمنا أن الأخطار الكبرى كانت دومًا هي المحفّز الأكبر للتعاون، حتى بين الخصوم.