الإمارات تدعو الشركات إلى الاستفادة بشكل أكبر من العمل عن بعد

في ظل التطورات العالمية المتسارعة والتغيرات التي شهدها سوق العمل، برز نظام العمل عن بُعد كأحد الحلول الفعّالة التي تبنّتها العديد من الدول لمواكبة هذه التغيرات. تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول الرائدة في هذا المجال، حيث دعت الحكومة الإماراتية الشركات إلى "الاستفادة بشكل أكبر من العمل عن بُعد"، بهدف تعزيز الإنتاجية وتقليل الازدحام المروري وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية للموظفين.

أولاً: خلفية العمل عن بُعد في الإمارات

1. البدايات والتطور

بدأ مفهوم العمل عن بُعد في الإمارات يأخذ حيز التنفيذ بشكل ملحوظ مع ظهور جائحة كوفيد-19 في عام 2020. فرضت الظروف الصحية آنذاك تبنّي هذا النظام كإجراء احترازي للحد من انتشار الفيروس. ومع مرور الوقت، أثبت العمل عن بُعد فعاليته في الحفاظ على استمرارية الأعمال دون التأثير على جودة الأداء.

2. التحول إلى سياسة مستدامة

مع النجاحات التي حققها نظام العمل عن بُعد خلال الجائحة، بدأت الحكومة الإماراتية في النظر إليه كخيار استراتيجي طويل الأمد. في يناير 2025، أصدر عمر سلطان العلماء، وزير الدولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، بيانًا يؤكد فيه أهمية تعزيز سياسات العمل عن بُعد لتقليل الازدحام المروري وزيادة الإنتاجية. وأشار إلى أن الأدلة تشير إلى أن نموذج العمل الهجين، الذي يجمع بين العمل من المكتب والعمل من المنزل، يمكن أن يزيد من الإنتاجية والشمول ورفاهية القوى العاملة.

ثانياً: فوائد العمل عن بُعد

1. تقليل الازدحام المروري

أحد أبرز التحديات التي تواجه المدن الكبرى هو الازدحام المروري، خاصة خلال ساعات الذروة. بتطبيق سياسات العمل عن بُعد، يمكن تقليل عدد المركبات على الطرق، مما يساهم في تخفيف الازدحام وتقليل وقت التنقل. أشارت دراسات إلى أن تطبيق نظام الدوام المرن والعمل عن بُعد يمكن أن يقلل من زمن الرحلات خلال ساعات الذروة الصباحية بنسبة تصل إلى 30% في إمارة دبي.

2. زيادة الإنتاجية

يتيح العمل عن بُعد للموظفين بيئة عمل مرنة، مما يساعدهم على تحقيق توازن أفضل بين حياتهم المهنية والشخصية. هذا التوازن ينعكس إيجابًا على مستوى الرضا الوظيفي، وبالتالي زيادة الإنتاجية. أظهرت ورقة بحثية صادرة عن مكتب الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي أن أنظمة العمل عن بُعد ساهمت في رفع الإنتاجية العامة بنسبة 4.6% بعد الجائحة، نظرًا لتقليل عبء التنقل من وإلى العمل.

3. خفض التكاليف التشغيلية

بالنسبة للشركات، يمكن أن يؤدي تبنّي نظام العمل عن بُعد إلى تقليل التكاليف التشغيلية المرتبطة بالمكاتب والمرافق. في عام 2019، أشار ناصر بن ثاني الهاملي، وزير الموارد البشرية والتوطين آنذاك، إلى أن العمل عن بُعد يُعتبر مبادرة توظيف مبتكرة تخفض الكلف التشغيلية للشركات، وتساعدها على تلبية احتياجاتها الوظيفية بأقل التكاليف.

4. توسيع قاعدة المواهب

يتيح العمل عن بُعد للشركات الوصول إلى مجموعة أوسع من المواهب، دون التقيد بالموقع الجغرافي. هذا الأمر يمكن أن يزيد من تنوع الفرق العاملة ويعزز من قدرات الابتكار داخل المؤسسات.

ثالثاً: التحديات والحلول

1. التحديات

البنية التحتية التقنية: يتطلب العمل عن بُعد وجود بنية تحتية تقنية قوية، بما في ذلك اتصال إنترنت عالي السرعة وأدوات تواصل فعّالة.

الأمن السيبراني: زيادة الاعتماد على التقنيات الرقمية يرفع من مخاطر الھجمات السيبرانية، مما يستدعي تعزيز إجراءات الأمان وحماية البيانات.

التفاعل الاجتماعي: قد يؤدي العمل عن بُعد إلى شعور بعض الموظفين بالعزلة، نظرًا لغياب التفاعل اليومي مع الزملاء.

2. الحلول المقترحة

الاستثمار في التكنولوجيا: تشير الدراسات إلى أن 98% من الشركات الإماراتية تخطط للاستثمار في التكنولوجيا خلال الـ12 إلى 18 شهرًا القادمة، بهدف تعزيز قدرات العمل عن بُعد.

تطوير سياسات واضحة: يجب على الشركات وضع سياسات عمل عن بُعد واضحة، تحدد التوقعات والمسؤوليات، وتوفر الدعم اللازم للموظفين.

تعزيز التواصل: استخدام أدوات التواصل المرئي والاجتماعات الافتراضية يمكن أن يساهم في تعزيز الروابط بين أعضاء الفريق، وتقليل الشعور بالعزلة.

رابعاً: المبادرات الحكومية لدعم العمل عن بُعد

1. مراكز العمل عن بُعد

قامت وزارة الموارد البشرية والتوطين بإنشاء مراكز للعمل عن بُعد في مختلف إمارات الدولة، بهدف توفير بيئة عمل مجهزة للمواطنات في المناطق البعيدة عن المدن. تتيح هذه المراكز للموظفات أداء مهامهن الوظيفية دون الحاجة إلى التنقل اليومي، مما يساعدهن على تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية

2. تشجيع القطاع الخاص على تبنّي العمل عن بُعد في الإمارات

مع تزايد الاهتمام العالمي بأنظمة العمل الهجين والعمل عن بُعد، تحرص دولة الإمارات العربية المتحدة على دفع القطاع الخاص نحو تبنّي هذه الأنظمة بشكل أوسع. إذ لا يقتصر التحوّل الرقمي على القطاع الحكومي فحسب، بل يشمل أيضًا الشركات الخاصة والمؤسسات متعددة الجنسيات التي تعمل داخل الدولة.

1. توجه الحكومة نحو دعم العمل عن بُعد في القطاع الخاص

 تصريحات رسمية ودعوات حكومية

  • في يناير 2025، أكّد عمر سلطان العلماء، وزير الدولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، أن الإمارات تسعى إلى جعل بيئة العمل أكثر مرونة وإنتاجية، ودعا الشركات الخاصة إلى الاستفادة بشكل أكبر من العمل عن بُعد لتقليل الازدحام المروري، وزيادة الكفاءة، وتعزيز استدامة الأعمال.
  • أشار العلماء إلى أن الأدلة تشير إلى أن النموذج الهجين، الذي يجمع بين العمل من المكتب والعمل عن بُعد، يمكن أن يزيد من الإنتاجية بنسبة تصل إلى 20% في بعض القطاعات. القوانين والإجراءات الداعمة
  • أصدرت وزارة الموارد البشرية والتوطين عددًا من القوانين التي تسهّل على الشركات الخاصة توظيف موظفين عن بُعد، سواء من داخل الإمارات أو خارجها، مما يفتح المجال أمام توظيف مواهب عالمية دون الحاجة إلى انتقالها فعليًا إلى الدولة.
  • تم إطلاق تصاريح عمل عن بُعد تتيح للشركات الخاصة التوظيف عن بُعد لموظفين من خارج الإمارات، مما يقلل من التكاليف التشغيلية ويوفر مرونة أكبر للشركات الناشئة.
  • أتاح قانون العمل الجديد إمكانية العمل بدوام جزئي أو مرن، حيث يُسمح للموظفين بالعمل وفق جدول زمني متغيّر، مما يعزز من تطبيق العمل عن بُعد في قطاعات مختلفة.

2. مزايا العمل عن بُعد للقطاع الخاص في الإمارات

يمنح العمل عن بُعد للشركات الخاصة عدة مزايا تنافسية، أهمها:

 تقليل التكاليف التشغيلية

  • يمكن للشركات تقليل النفقات المتعلقة بـ المكاتب، والإيجارات، والمرافق، والكهرباء، والمياه، حيث يمكنها تقليل المساحات المكتبية مع انتقال نسبة من الموظفين إلى العمل من المنزل.
  • أظهرت دراسة أن تقليل عدد الموظفين في المكاتب بنسبة 40% يمكن أن يخفض التكاليف التشغيلية للشركات الخاصة بما يصل إلى 25% سنويًا.

 تحسين الإنتاجية وزيادة ساعات العمل

  • أظهرت دراسة أجراها مكتب الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي أن 68% من الموظفين في الإمارات يشعرون بأنهم أكثر إنتاجية عند العمل عن بُعد مقارنة بالعمل من المكتب، نظرًا لعدم وجود مشتتات مثل الاجتماعات غير الضرورية أو التنقل اليومي الطويل.
  • الشركات الخاصة تستفيد من هذه الإنتاجية المتزايدة، حيث وجدت بعض الشركات أن الموظفين يعملون ساعات أطول عند العمل من المنزل، خاصةً في القطاعات التي تعتمد على العمل القائم على المشاريع والنتائج.

 توسيع قاعدة التوظيف وجذب المواهب العالمية

  • يُتيح العمل عن بُعد للشركات توظيف موظفين من أي مكان في العالم، مما يوسع نطاق المواهب المتاحة لها.
  • يمكن للشركات الناشئة في الإمارات توظيف مطورين، ومصممين، ومحللي بيانات، ومهندسين من دول أخرى دون الحاجة إلى إصدار تأشيرات عمل لهم أو تغطية تكاليف نقلهم إلى الإمارات.

 تقليل معدلات الاستقالات وتحسين الرضا الوظيفي

  • وفقًا لدراسة عالمية، 56% من الموظفين يفضلون ترك وظائفهم بدلاً من العودة إلى العمل المكتبي بدوام كامل، لذا فإن الشركات التي تعتمد نظام العمل المرن أو عن بُعد قادرة على تقليل معدلات الاستقالات.
  • يساهم ذلك في الاحتفاظ بالمواهب، حيث يشعر الموظفون براحة أكبر عندما يكون لديهم حرية تحديد مكان العمل وأوقاته.

3. تحديات تطبيق العمل عن بُعد في القطاع الخاص

على الرغم من الفوائد العديدة، تواجه بعض الشركات تحديات في تبنّي العمل عن بُعد، أبرزها:

 تحديات ثقافية وإدارية

  • لا تزال بعض الشركات في الإمارات تعتمد على نموذج الإدارة التقليدي، حيث يفضل المديرون رؤية الموظفين في المكاتب لضمان أنهم يعملون.
  • تتطلب بيئة العمل عن بُعد تغييرًا في ثقافة الإدارة نحو قياس الأداء بناءً على النتائج بدلاً من ساعات العمل.

 الحاجة إلى استثمارات تقنية

  • تحتاج الشركات إلى الاستثمار في أنظمة إدارة المشاريع، وأدوات التعاون الرقمية، والبنية التحتية السحابية لضمان كفاءة العمل عن بُعد.
  • بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة قد تجد هذه الاستثمارات مكلفة في البداية.

 تحديات في التواصل والتفاعل بين الفرق

  • قد يشعر بعض الموظفين بالعزلة أو عدم الترابط مع زملائهم عند العمل عن بُعد لفترات طويلة.
  • تحتاج الشركات إلى تعزيز استراتيجيات التواصل باستخدام الاجتماعات الافتراضية، والمنصات التفاعلية، والأنشطة الافتراضية الجماعية للحفاظ على ثقافة الفريق.

4. أبرز الشركات الإماراتية التي نجحت في تطبيق العمل عن بُعد

 كريم (Careem)

  • شركة كريم، التابعة لأوبر، اعتمدت بشكل واسع على العمل عن بُعد والهجين لموظفيها في الإمارات.
  • خفضت الشركة تكاليف التشغيل بنسبة 30% بعد تقليل المساحات المكتبية واعتماد نموذج العمل عن بُعد لموظفي خدمة العملاء والتكنولوجيا.

 دو (du) - قطاع الاتصالات

  • شركة الاتصالات الإماراتية "دو" أعلنت في 2023 أنها ستتبنّى نظام العمل الهجين، مما أتاح لموظفيها العمل عن بُعد ليومين في الأسبوع.
  • ساعد ذلك في تقليل الضغط على مكاتب الشركة في دبي، وزيادة رضا الموظفين بنسبة 20% وفق استبيانات الشركة.

طيران الإمارات (Emirates Airlines)

  • شركة طيران الإمارات أتاحت للموظفين الإداريين العمل عن بُعد جزئيًا، خاصة في أقسام التسويق، وخدمة العملاء، وتكنولوجيا المعلومات.

5. مستقبل العمل عن بُعد في الإمارات

مع استمرار الدعم الحكومي والاتجاه العالمي نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تشهد الإمارات زيادة في اعتماد العمل عن بُعد والهجين خلال السنوات القادمة.

 توقعات 2026

  • بحلول عام 2026، من المتوقع أن يعتمد 70% من الشركات الخاصة في الإمارات على نموذج العمل الهجين، حيث يعمل الموظفون من المكتب يومين إلى ثلاثة أيام في الأسبوع فقط.
  • ستستمر القطاعات الرقمية مثل التكنولوجيا، والتسويق الإلكتروني، والخدمات المالية في ريادة التحول نحو العمل عن بُعد بالكامل.
  • سيتم إطلاق مزيد من القوانين واللوائح التي تشجع الشركات على تبنّي سياسات مرنة تتيح للموظفين العمل من أي مكان.

 الخلاصة: الإمارات تقود المستقبل نحو بيئة عمل أكثر مرونة

 توجيهات الحكومة الإماراتية للقطاع الخاص نحو العمل عن بُعد ليست مجرد استجابة لجائحة كوفيد-19، بل هي جزء من رؤية استراتيجية لتعزيز الإنتاجية والاستدامة في سوق العمل.

 من خلال تقليل الازدحام، تعزيز الإنتاجية، وتوفير تكاليف التشغيل، يُتوقع أن يصبح العمل عن بُعد جزءًا أساسيًا من سوق العمل في الإمارات خلال السنوات القادمة.